فخر الدين الرازي
163
تفسير الرازي
إلى كل الأمة حتى يبقى نقل القرآن متواتراً ، وحتى نعلم أنه أحسن القيام بتبليغ الوحي ، فوجب عليه الإتيان بالتسبيح والاستغفار على وجه الإظهار ليحصل هذا الغرض وثانيها : أنه من جملة المقاصد أن يصير الرسول قدوة للأمة حتى يفعلوا عند النعمة والمحنة ، ما فعله الرسول من تجديد الشكر والحمد عند تجديد النعمة وثالثها : أن الأغلب في الشاهد أن يأتي بالحمد في ابتداء الأمر ، فأمر الله رسوله بالحمد والاستغفار دائماً ، وفي كل حين وأوان ليقع الفرق بينه وبين غيره ، ثم قال : واستغفره حين نعيت نفسه إليه ليفعل الأمة عند اقتراب آجالهم مثل ذلك . المسألة الثامنة : في الآية سؤالات أحدها : وهو أنه قال : * ( إنه كان تواباً ) * على الماضي وحاجتنا إلى قبوله في المستقبل وثانيها : هلا قال : غفاراً كما قاله : في سورة نوح وثالثها : أنه قال : * ( نصر الله ) * وقال : * ( في دين الله ) * فلم لم يقل : بحمد الله بل قال : * ( بحمد ربك ) * والجواب : عن الأول من وجوه أحدها : أن هذا أبلغ كأنه يقول : ألست أثنيت عليكم بأنكم : * ( خير أمة أخرجت للناس ) * ثم من كان دونكم كنت أقبل توبتهم كاليهود فإنهم بعد ظهور المعجزات العظيمة ، وفلق البحر ونتق الجبل ، ونزول المن والسلوى عصوا ربهم . وأتوا بالقبائح ، فلما تابوا قبلت توبتهم فإذا كنت قابلاً للتوبة ممن دونكم أفلا أقبلها منكم وثانيها : منذ كثير كنت شرعت في قبول توبة العصاة والشروع ملزم على قبول النعمان فكيف في كرم الرحمن وثالثها : كنت تواباً قبل أن آمركم بالاستغفار أفلا أقبل وقد أمرتكم بالاستغفار ورابعها : كأنه إشارة إلى تخفيف جنايتهم أي لستم بأول من جنى وتاب بل هو حرفتي ، والجناية مصيبة للجاني والمصيبة إذا عمدت خفت وخامسها : كأنه نظير ما يقال : لقد أحسن الله فيما مضى كذلك يحسن فيما بقي والجواب : عن السؤال الثاني من وجوه أحدها : لعله خص هذه الأمة بزيادة شرف لأنه لا يقال في صفات العبد غفار ، ويقال : تواب إذا كان آتياً بالتوبة ، فيقول تعالى : كنت لي سمياً من أول الأمر أنت مؤمن ، وأنا مؤمن ، وإن كان المعنى مختلفاً فتب حتى تصير سمياً لي آخر الأمر ، فأنت تواب ، وأنا تواب ، ثم إن التواب في حق الله ، هو أنه تعالى يقبل التوبة كثيراً فنبه على أنه يجب على العبد أن يكون إتيانه كثيراً وثانيها : إنما قيل : تواباً لأن القائل قد يقول : أستغفر الله وليس بتائب ، ومنه قوله : " المستغفر بلسانه المصر بقلبه كالمستهزئ بربه " إن قيل : فقد يقول : أتوب ، وليس بتائب ، قلنا : فإذاً يكون كاذباً ، لأن التوبة اسم للرجوع والندم ، بخلاف الاستغفار فإنه لا يكون كاذباً فيه ، فصار تقدير الكلام ، واستغفره بالتوبة ، وفيه تنبيه على أن خواتيم الأعمال يجب أن تكون بالتوبة والاستغفار ، وكذا خواتيم الأعمال ، وروى أنه لم يجلس مجلساً إلا ختمه بالاستغفار والجواب : عن السؤال الثالث أنه تعالى راعى العدل فذكر اسم الذات مرتين وذكر اسم الفعل مرتين أحدهما : الرب والثاني : التواب ، ولما كانت التربية تحصل أولاً والتوابية آخراً ، لا جرم ذكر اسم الرب أولاً واسم التواب آخراً .